جلال الدين السيوطي

724

تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب

عِنْدَ اللَّهِ وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ [ سورة الأنعام ، الآية 109 ] ثم قال تبارك وتعالى : يا محمد أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ [ سورة الأنعام ، الآية : 109 ] باستئناف جواب الكلام المتقدم . قال : صدقت . وركب إلى دار أمير المؤمنين ، فعرّفه بقدومي ، وطالبه بدفع ما تخاطبوا عليه وتبايعا فيه ، فأمر بإحضاري ، فحضرت ، فلما وقعت عين المتوكّل عليّ ، قال : يا بصريّ ، كيف تقرأ هذه الآية وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ [ سورة الأنعام ، الآية : 109 ] بالكسر أو أَنَّها إِذا جاءَتْ [ سورة الأنعام ، الآية : 109 ] بالفتح ؟ فقلت : يا أمير المؤمنين أكبر الناس يقرؤها بالفتح . فضحك وضرب برجله اليسرى ، وقال : أحضر يا فتح المال . فقال : يا سيدي ، إنّه والله قال لي خلاف ما قال لك . فقال : دعني من هذا ، أحضر المال . وأخرجنا ، فلم أصل إلى الموضع الذي كنت أنزلته حتى أتتني رسل الفتح ، فأتيته ، فقال لي : يا بصريّ ، أول ما ابتدأتنا به الكذب ! فقلت : ما كذبت . فقال : كيف وقد قلت لأمير المؤمنين إنّ الصواب وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ [ سورة الأنعام ، الآية : 109 ] بالفتح ؟ فقلت : أيّها الوزير ، لم أقل هكذا ، وإنّما قلت : أكثر الناس يقرؤها بالفتح . وأكثرهم على الخطأ ، وإنّما تخلّصت من اللائمة ، وهو أمير المؤمنين . فقال لي : أحسنت . قال أبو العباس : فما رأيت أكرم كرما ، ولا أرطب بالخير لسانا من الفتح . قال الزبيديّ : ولم يكن أبو العباس محمد بن يزيد على رياسته وتفرّده بمذهب أصحابه وإربائه عليهم بفطنته وصحة قريحته متخلّفا في قول الشعر ، وكان ينتحل ذلك ولا يعتزي إليه ، ولا يرسم نفسه به ، وله أشعار كثيرة ، منها قوله وقد ورد عليه كتاب من طاهر بن الحارث مع غلام يقال له : نصر ، في درجه كتاب التسبيب بأرزاقه على أموال مصر ، فأجاب على الكتاب بأبيات قالها على البديهة ، وهي : بنفسي أخ شددت به أزري * فألفيته حرّا على العسر واليسر أغيب فلي منه ثناء ومدحة * وأحضر منه أحسن القول والبشر وما طاهر إلا جمال لصحبه * وناصر عافيه على كلب الدهر